متاهة الإجرام المنظم، والدولة والمجتمع 

د. رائف حسين 
نُشر: 11/02/26 22:48

لا يمكن لعاقل مثقف على أوضاع الأقلية الفلسطينية في الداخل أن يتجاهل أن المؤسسات السياسية والأمنية والعلمية للدولة قد أصبحت عوناً جوهرياً للإجرام المنظم داخل المجتمع الفلسطيني. إن هذا الدعم يتناغم مع استراتيجية اسرائيلية رسمية محكمة وطويلة الأمد. بيد أن هناك العديد من العوامل الداخلية المعقدة في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل التي أسهمت في تيسير تنفيذ هذه الاستراتيجية. لقد غُرِست بذور هذه الاستراتيجية في أرض مفعمة بالحيوية، لتزدهر وتنمو، مهددةً بوجود كل الأقلية الفلسطينية في الداخل. ومن الجدير بالذكر أنه لولا الدعم السخي من المؤسسات الرسمية، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، لتلك الجماعات الإجرامية المنظمة، لما تمكنوا من إحكام قبضتهم على عنق المجتمع بهذه الصورة التي نراها اليوم . 
بعيداً عن نظريات المؤامرة ومحاولات الهروب من المسؤولية التي ينتهجها عدد كبير من أبناء شعبنا الفلسطيني، تبرز الحقيقة الجلية أن الواقع الراهن، مع ما يترافق معه من إجرام منظم، يمثل استراتيجية إسرائيلية بارعة تهدف إلى تقليص مكانة أهل البلاد الأصليين على الصعيدين السياسي والاجتماعي .
إسرائيل ليست الوحيدة التي تستخدم أساليب ماكرة ومتنوعة للهيمنة على الأقليات وكبح طموحاتهم في تحقيق ذواتهم والقيام بدور فعال في مجالات السياسة والسيادة والمجتمع والاقتصاد. غالباً ما اعتادت الأكثرية على وصف هذه الاستراتيجية الاستبدادية القمعية بعبارة "فرق تسد". لكن في سياق تعامل إسرائيل مع الأقلية الفلسطينية في الوضع الراهن، تبدو هذه التسمية غير كافية لتسليط الضوء الكامل على الأهداف الخفية التي يسعى إليها هذا النهج .
لقد بدأ الانفلات الأخلاقي وفقدان الضبط الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل منذ نحو ربع قرن. في تلك الفترة، ظهرت مجموعات تمارس السرقة والسطو والابتزاز، مستهدفة المهنيين المستقلين وأصحاب رؤوس الأموال المتوسطة والكبيرة. إن تجاهل المجتمع لهذه الظواهر الاجتماعية المدمرة وعدم اكتراثه لعواقبها الاجتماعية والأخلاقية قد أطلق العنان للعديد من المارقين، مما ساهم في انتشار هذه الظواهر التي باتت تؤثر بسرعة على العديد من القرى والمدن الفلسطينية في الداخل. تزامن هذا الارتفاع السريع في معاناة التوترات الاجتماعية مع نمو واضح في إعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية لأولئك الذين اعتاد المجتمع على تسميتهم "عرب إسرائيل". كما شهدنا زيادة ملحوظة في الثقة بالنفس كأقلية قومية ووطنية، وارتفاع لافت في عدد الأكاديميين الذين تألقوا في مجالات حيوية، تُعد من مكونات الأمن القومي الاسرائيلي، مثل الطب. وعلاوة على ذلك، تزايدت ثقة شريحة واسعة من الشباب الفلسطيني في أنفسهم، مبتعدين عن الخضوع لسياسة السيد والعبد التي كرستها إسرائيل في تعاملها مع الأقلية الفلسطينية، والتي أظهرت فعاليتها عبر أجيال عديدة منذ النكبة وحتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي .
تتعدد الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، بما في ذلك النمو الديمغرافي والازدهار الاقتصادي وتزايد الوعي السياسي الهوياتي، في وقت يتزامن فيه تراجع الولاء للدولة ومؤسساتها. وقد رأت بعض النخب السياسية والأيديولوجية الصهيونية في أعمال الشغب والسرقة والعبث بالسلم الاجتماعي داخل الأقلية الفلسطينية فرصة سانحة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتعزيز السيطرة على ما يُسمى بـ"التمرد"، كما اعتبرت ذلك وسيلة لمواجهة النمو الديمغرافي الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتزايد التأثير السياسي .

منذ بداية الألفية الجديدة، اتخذت الحكومات الإسرائيلية العنصرية المتعاقبة نهج الصمت إزاء أحداث العنف والاضطراب في السلم الاجتماعي داخل الأقلية الفلسطينية. وقد اعتبرت تلك الحكومات أن إشغال هذه الأقلية بمثل هذه القضايا كافٍ لإبعادها عن أي تداخل قد يؤثر في المشروع الصهيوني، وتقليص نفوذها ضمن الدولة. ومع صعود نتانياهو وبداية ترسيخ "النتانياهوية"، تلك "الصهيونية الجديدة" التي تروج لها إسرائيل كبديل عن الصهيونية التقليدية، ظهرت رؤية نتانياهو التي تعتبر أن الصهيونية السابقة قد أفلست على كافة الأصعدة، خصوصاً في تعاملها مع القضية الفلسطينية وما يرتبط بها على المستوى الإقليمي. وقد بدأت النتانياهوية في الدفع نحو تغيير مكانة الفلسطينيين في الداخل، من مواطنين من الدرجة الثالثة أو أقل، إلى مجرد مقيمين داخل حدود الدولة مع بعض الامتيازات المرتبطة بالولاء للدولة الصهيونية وهويتها اليهودية. هذا التحول الأيديولوجي في سياسة المؤسسة الرسمية تجاه الأقلية الفلسطينية قد فتح بابًا واسعًا لاستغلال مجموعات الشغب، مما حولها إلى كيانات للجريمة المنظمة التي تتمتع بروابط قوية مع الأجهزة الأمنية. وأدى ذلك إلى انتشار السلاح والذخيرة، التي تُستمد بشكل أساسي من الجيش، ومن مؤسسات أمنية أخرى. ونتيجة لذلك، تصاعدت مظاهر العنف، وازدادت حوادث القتل والسطو والابتزاز وتجارة المخدرات، مما فاقم من الأزمات الاجتماعية داخل الأقلية الفلسطينية، حتى بات الوضع يشكل خطرًا وجوديًا يهدد جميع مكونات هذه الأقلية .
مع تزايد الارتباط الهوياتي لفلسطينيي الداخل وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدراتهم كأقلية وطنية، تجلّت هذه الروح في محطات اجتماعية وسياسية شهدت تصديات جريئة للمؤسسة الرسمية. فقد أبدوا شجاعة في مواجهة مخططات خطيرة مثل مخطط برايمر في النقب، ومخطط النجوم العشرة في المثلث، ومخطط مصادرة الأراضي وعابر إسرائيل في الجليل. وصولاً إلى تأسيس القائمة المشتركة، التي اعتبرتها النخب الصهيونية تهديداً حقيقياً لهيمنة الأكثرية اليهودية، وهو ما لم يسبق لهم أن شهدوه. وتوجت هذه الفلسفة ذروتها في هبة مايو سنة ٢٠٢١، حيث شهدنا بعد هذه الهبة زيادة في الدعم المباشر لمجموعات الإجرام المنظم، مما أصبح واضحاً للجميع .
على مدى العقد الماضي، قامت إسرائيل بتعزيز استراتيجيتها بشكل محكم للتعامل مع الأقلية الفلسطينية، ساعية للوصول إلى أهداف متعددة. أولاً، تسعى إلى إعادة ضبط قبضتها على الأقلية الفلسطينية وتقليص ميلهم نحو تطوير هويتهم الوطنية. ثانياً، تسعى إلى زعزعة الوحدة الاجتماعية وإعادة إحياء الروابط القبلية والعشائرية، من خلال تشكيل قوى تدعي أنها ضابطة اجتماعية في خضم الفوضى. ثالثاً، تعمل على غرس الخوف في قلوب الجميع داخل الأقلية الفلسطينية، مما يدفعهم، بدافع الخشية على أبنائهم ومستقبلهم، إلى التفكير في الهروب والهجرة .

تسير إسرائيل وفق خطة استراتيجية مشهورة تُعرف علمياً باسم " خلق المشكلة ثم تقديم الحل″… يُطلق على هذا الأسلوب تقنياً مصطلح "المشكلة - رد الفعل - الحل" وهو نهج تقليدي يتجلى في مجالات السياسة والتسويق وإدارة الجماهير. يعود أصل هذا المنطق إلى الجدلية الهيجلية، حيث تُسْتَثْمَر الأزمات لصياغة ردود الأفعال واستثمارها لتقديم الحلول المقترحة .
على الرغم من أن رواد نظرية المؤامرة في عصرنا الحديث هم من نشروا هذا المفهوم، إلا أنه في جوهره يعود إلى تأويل مبسط لفلسفة الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيجل. تجسد عمليته في ثلاث محطات رئيسية تتمثل في

1. الأطروحة (Thesis): الوضع القائم.
2. النقيض (Antithesis): خلق صراع أو مشكلة.
3. التركيب (Synthesis): الحل الذي يجمع بينهما ويؤدي إلى نتيجة جديدة (كانت مرغوبة منذ البداية

مراحل التنفيذ: ثلاث خطوات تقود نحو السيطرة الكاملة المحكمة .
تُنفذ هذه الاستراتيجية وفق نمط نفسي متقن ودقيق :

١. الابتكار (المشكلة)
يتولى الطرف المسيطر مهمة خلق أزمة أو استغلال حدث معين لإثارة مشاعر الخوف واللااستقرار. الهدف من ذلك هو إدخال المجتمع في حالة من الاضطراب العاطفي العميق .

٢. الإخراج (رد الفعل)
يُفسح المجال أمام الإعلام والجمهور للتفاعل مع المشكلة، حيث يبدأ الناس في رفع أصواتهم مطالبين "يجب أن يتدخل أحد!". وهنا تتزايد الرغبة في التخلي عن الحريات أو قبول قرارات شاقة كانت مرفوضة في الأوضاع الطبيعية .
٣. الإنقاذ (الحل)
يتقدم الطرف الذي أحدث المشكلة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في صورة "المخلص"، مقدماً حلاً كان قد أعده مسبقاً. وبفضل شعور الناس بالراحة عند انجلاء الأزمة، يتم قبول "الحل" دون أي مقاومة تُذكر . 

إذا تأملنا بعمق فيما شهدناه خلال ربع القرن الفائت وحتى هذه اللحظة، ندرك أن استراتيجيات الحكومات الإسرائيلية تجاه الأقلية الفلسطينية قد حققت نجاحاً منقطع النظير في كافة المجالات. فقد شهدنا تراجعاً ملحوظاً في دور الانتماء الهوياتي الفلسطيني، وانحسرت مكانة الأحزاب والحركات السياسية، حيث باتت الجماهير تحمل النخب السياسية جزءاً من المسؤولية عن تفشي الإجرام المنظم. كما أصبح الخوف هاجساً يسيطر على أذهان الجميع، صباحاً ومساءً، وعدد الذين يفكرون في الهجرة والفرار من هذا الواقع المريض يثير القلق إلى حد بعيد. وقد تخطى أبناء الأقلية الفلسطينية حدود المستحيل، وقبلوا أموراً كانت تبدو شبه مستحيلة على مدار سبعين عاماً مضت . 
تأسست مراكز الشرطة في كل قرية وحي تقريباً، ولكن هذه الخطوة لم تُحدث أدنى تأثير في الحد من الإجرام المنظم أو تقليصه، بل على العكس، تفاقمت الأوضاع. وفي سياق متصل، اتخذ الفلسطينيون في إسرائيل خطوات قسرية، برضاهم وقناعتهم، تقوض حريتهم الفردية، فاجتاحت الكاميرات بيوتهم وشوارعهم بشكل يفوق المعدلات الموجودة في لندن أو دبي بالنسبة للمساحة وعدد السكان. كانت هذه الإجراءات مُخططاً لها بدقة من قبل من صاغ استراتيجية دعم الإجرام المنظم .
في الوقت الراهن، ومع انطلاق المجتمع في مسار التصدي لعصابات الإجرام المنظم من خلال النزول إلى الشوارع بعد أن فقد الأمل في تقاعس الأجهزة الأمنية وتجاهل المؤسسات الرسمية الأخرى، يقوم النائب السابق عن الموحدة ورئيس بلدية سخنين، مازن غنايم، بخطوة شعبوية تحمل في طياتها مجازفة كبيرة ومخاطر جسيمة على الأقلية الفلسطينية ومستقبل وجودها. ورغم أن مازن غنايم يدرك أن هذه المبادرة مدروسة ومتوقعة، بل ومطلوبة من قِبَل النخب المهيمنة في إسرائيل، فإنه يتقدم بطلب رسمي إلى رئيس الدولة، يلتمس فيه إدراج الجماعات الإجرامية المنظمة ضمن قائمة المجموعات الإرهابية في البلاد، وذلك في إطار جهود مكافحتها وفقاً لهذا التصنيف.
تُعتبر هذه الخطوة غير المدروسة والمُحمَّلة بالمخاطر بمثابة دعوة مفتوحة للفاشيين للولوج إلى مفاصل الحكم في إسرائيل، مما يُشعل شرارة عملية قد تُفضي إلى إبعاد وتهجير عشرات الآلاف من أبناء الأقلية الفلسطينية. يدرك النائب السابق تمامًا أن إسرائيل، ومنذ بزوغ عهد الاحتلال، تنتهج سياسات العقوبات الجماعية ضد كل من تُصنفهم بـ "الإرهابيين" من الشعب الفلسطيني. فتلك العقوبات، التي تتجلى في الهدم والقتل والإبعاد، لا تستثني فقط المنفذين، بل تمتد لتطال عائلاتهم وأصدقاؤهم وأبناء قريتهم بأكملها. وبالمبادرة التي قدمها مازن غنايم لإدراج مجموعات الإجرام المنظم المدعومة من السلطة الحاكمة في إسرائيل، يُفتح المجال أمام الأجهزة الأمنية لتتلاعب بمكونات المجتمع الفلسطيني برمته، وهذا ما تسعى إليه الحكومة الفاشية الحالية، وتعمل على تحقيقه .
 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة